
لا تستوقفني كثيرًا أسماء الأشخاص، ولا ضجيج الترند، ولا التفاصيل التي تتسابق المنصات إلى تداولها. ما يشغلني دائمًا هو السؤال الذي يختبئ خلف المشهد: ما الذي أنتج هذه الظاهرة؟
قد يظن البعض أن القضية تدور حول شخص انتحل صفة ليست له، لكنني أراها أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نموذج يكشف كيف يمكن لعقل يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء، والقدرة على التخطيط، والإقناع، وإدارة التفاصيل، أن يقرر استثمار كل هذه الإمكانات في بناء وهم، بدلًا من بناء مستقبل و هنا تكمن المفارقة…
فالنجاح في الخداع ليس دليلًا على العبقرية، بل دليل على أن العبقرية وُضعت في الاتجاه الخطأ.
لقد احتاج الأمر إلى إعداد، وثقة بالنفس، وإدارة للمشهد، وقدرة على التأثير في الآخرين. وكلها مهارات تُعد من أهم مقومات النجاح في أي مشروع أو مؤسسة أو رسالة إعلامية. لكنها، حين فقدت البوصلة الأخلاقية، تحولت من أدوات للبناء إلى أدوات للهدم.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الواقعة، أنها تعكس أزمة في مفهوم النجاح لدى بعض الشباب. فهناك من أصبح يؤمن بأن الوصول لا يكون إلا عبر اختصار الطريق، وأن الصورة أهم من الحقيقة، وأن إقناع الناس بما لست عليه أسهل من أن تصبح ما تتمنى أن تكونه.
وهنا يجب أن نتوقف…
ليست المشكلة في نقص الفرص دائمًا، ولا في قلة المواهب، بل في غياب اليقين بأن الرزق الحلال قادر على تحقيق الطموح. عندما يفقد الإنسان ثقته في قيمة العمل الشريف، يبدأ في البحث عن طرق تبدو أسرع، لكنها في الحقيقة أقصر طريق إلى السقوط.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نجح في خداع الآخرين؟
بل: كم من مشروع ناجح كان يمكن أن يولد لو استُثمر هذا الذكاء في الطريق الصحيح؟
إن الأمم لا تتقدم بالذكاء وحده، وإنما بالذكاء الذي تحكمه القيم. فالموهبة نعمة، لكنها قد تتحول إلى نقمة إذا انفصلت عن الضمير.
ولهذا، فإن العبرة الحقيقية ليست في قصة شخص، وإنما في رسالة لكل شاب يمتلك مهارة، ولكل فتاة تمتلك موهبة، ولكل صاحب حلم يبحث عن طريقه:
لا تجعل ذكاءك وسيلة لتزييف الواقع… بل اجعله أداة لصناعة واقع يستحق أن تفخر به.
فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى قناع، ولا إلى انتحال صفة، ولا إلى خداع أحد. إنه يحتاج فقط إلى إيمان، وعمل، وصبر… وبركة الحلال.

م. د. نيفين جندي